محمد كمال شحادة
196
تاريخ التعليم الطبي في البلاد العربية
علّم جورج بوست الجراحة ، كما علّم علم النبات والحشائش الطبية خلال عدة سنوات . وقد كان شخصا يحب السيطرة أكثر مما يمارس الإقناع . وكانت طريقته مع طلابه هي أن يختار لهم عددا من الصفحات من النص المتعلق بالدرس وفي الدرس الثاني كان يستمع إلى كل منهم مقطعا بعد مقطع . وفي الوقت الذي كان فيه مسموحا للطلاب أن يوجهوا الأسئلة حول مواضيع الدرس ، كان جورج بوست يتضايق من ذلك . فقد كان قليل الصبر ، نزقا ، لا يحتمل أن توجه إليه أسئلة حول آرائه أو أن يوجه إليها أي انتقاد ، بل يجب على الطلاب ، بالنسبة إليه أن يقبلوا آراءه على أنها حقائق لا تحتمل الشك أو الخطأ . ولم يكن يعترف في أي حال من الأحوال ، أو في أي ظرف من الظروف بأنه على خطأ ، وكان يرفض أن يقول « لا أعرف » . وكان جورج بوست يشكو من نقص في سمعه ، وكان هذا النقص يسبب له صعوبات مع الطلاب ، ولما ازداد طرشه مع السنين ، كان على طلابه أن يصيحوا بأعلى أصواتهم ليستطيع سماعهم . وقد سأله ابنه ذات مرة هل يستطيع الاطمئنان إلى أن طلابه لا يغشونه بتلقين بعضهم البعض في الامتحان ، فأجابه : « لا ، أنا لا أسمع دائما كلماتهم ولكني أستطيع أن أكشف ذلك من تحرك شواربهم » 69 ويقول عنه الكاتب جرجي زيدان ، وكان من تلاميذه ، أنه كان عصبي المزاج ، حاد الطبع ، يتسرع في سوء الظن ، وربما كان ذلك بسبب ضعف في سمعه . فإذا رأى اثنين يتخاطبان تبادر إلى ذهنه أنها يتكلمان ضده ، فيحكم بالظن وقد يعاتب على الشبهة 70 . كان جورج بوست يتزعم في الكلية خطا دينيا متطرفا وكان يجبر الطلاب من كل الأديان على أن يحضروا الصلاة والمواعظ البروتستانتية ودروس الإنجيل وشرح معانيه ، وقد تمرد الطلاب المسلمون مرة على ذلك ، ولكنهم أجبروا على الخضوع لبوست وللنظام الديني الذي فرضه عليهم وعلى غيرهم من الطلاب 71 . وكان متعصبا دون تسامح تجاه معتقدات الآخرين ، حتى وصل به التعصب إلى الهزء بالقرآن الكريم وبآياته ، وقد جاء ذكر ذلك مفصلا في الكتاب الصادر في نيويورك عام